ساعتين قبل أن تطير



ما رأيك لو تسوقنا قليلاً في سيتي سنتر البحرين قبل الذهاب إلى المطار؟ كانت تلك الفكرة كفيلة بأن تطير الطيارة وتتركنا في أرض لم نخطط أبداً المكوث فيها. كنا قد إنطلقنا من الأحساء قاصدين مطار البحرين الدولي في رحلة إلى سوريا وتركيا. حضرنا قبل إقلاع الطائرة بنصف ساعة ولكن أبا الطاقم أن يستضيفنا، فأخبرتنا إحدى موظفات المطار: موفي فويدة، والإبتسامة الساخرة ما فارقت وجهها حتى بعد نصف ساعة. ثم أشارت علينا التوجه إلى مكتب حجز طيران الخليج في نفس المطار، فسلمت له التذاكر: ليش تأخرتوا؟ قلت له: أنا أول مرة أشوف جسر سريع وعليه إشارة مرور! سبب سخيف وغبي لجعل القصة تدور كما في الأفلام المصرية!

تنهد صاحبنا ثم خلع سترتة، بدأ يضرب أخماسه وسببابته على الكيبورد. مضت خمس دقائق، عشر دقائق، ربع ساعة وهو على حاله دون أن يتفوه بكلمة واحدة. وزوجتي واقفه تترقب من بعيد ماذا سيحصل. بعدها: مافي إلا بكرة الصباح!
أنا: هه إي ماعليه، إحجزها بس… بكم؟
قال: ١٥٠!
أنا: *سنجوب* دينار؟
هو: لا ريال سعودي.
أنا: إي خلاص إحجزها لنا.
هو: أنصحك تحط أغراضك ألحين بالشحن، عشان ما تتأخر مثل كل مرة! طبعاً الشطر الثاني سمعتها من قلبه لا من لسانه.

أودعنا الحقائب ورجعنا للسيارة، وإذا بالمفاجأة تنتظرنا، نافذة زوجتي مفتوحة للآخر! كادت أن تكون سيارتي أبو الهول قلباً وقالباً، وهنا إقتنعت بالمقولة؛ كل تأخيرة فيها خيرة!

في تلك اللحظة فعلنا كل شي لنسيان الإستعباط الذي إقترفناه، نزلنا مرة أخرى إلى سيتي سنتر، إشترينا بطارية كاميرتي نيكون دي٩٠ وشاحنها لأنني نسيت الأصل في البيت، ثم تناولنا الغداء مع العشاء وشاهدنا فيلم القتلة الكوميدي، The Killers. أعطيه خمسة من عشرة. بعدها مكثنا ليلة في إليت جراند الرائعة.

كانت بداية رحلتنا مشؤمة قليلاً ولكن بعدها سارت على أجمل وجه :)

خان، أنموذج للعمالة الوافدة


خان، عامل نظافة بنغالي من الدرجة الأولى. أعطاه الله العلم والفهم في كل شي. كلمة "لا أعرف" مشطوبة من قاموسه حتى ظننت أن الله تعالى علمه الأسماء كلها.

بالأمس طلبت منه إحضار "بان كيك" من المطعم الوحيد في المنطقة والذي شيّد خارج مبنى الشركة. لأول مرة قالها: إيش بان كيك؟ صار له أكثر من سنتين في توصيل طلبات الموظفين دون أن تمر عليه تلك الكلمة. فشرحت له بشكل مبسط: سيم سيم خبز. فبانت أضراسه من تحت شنباته الكثيفه: أها، أنا في معلوم.
ثم سكت قليلاً: إنت يبغى أبيض أو بر؟
تقصد هل سنفطر أم ماذا؟، رددت عليه وعلامات التعجب تتطاير حول رأسي.
في هذه الحالة إستعنت بالسيد جوجل ليريه صورة من ذاك الطبق المزعوم. ففهم والحمدلله.

وفي اليوم التالي، أشتهت نفسي طبق شبيه بالبان كيك "وافل"، فأختصرت عليه الشرح وأظهرت له صورة من ذاك الطبق الشهي. أخذ القلم وكتبها حرفياً "وافل" بلغته الأم. وقبل أن يحظرها، شكّلت بيدي قطعة مربعة: معلوم زبدة؟ باتر؟ فرد سريعاً: إييييييي معلوم. إذن هاك ٥٠ ريال، وبذلك إنصرف خان بدراجته الهوائية إلى المطعم.

مرت نصف ساعة، حينها كنت أتخيل الوافل والزبدة تسيح في وسطها طيلة إنتظاري. دخل خان الغرفة على عجل حاملاً البضاعة في كيس وردي مربوط بإحكام، وضعها على طاولتي فشكرته بإبتسامه عامرة وأنا قائم.
لم يتملكني الصبر لأحل الكيس، أخذت أمزقها حتى وضعت الطبق بين يدي: أوه… واو… طبقتين من الوافل! كم أنت كريم يا خان. وماذا بينهما! بيض؟ لا حول ولا قوة إلا بالله. خيراً رأيت على أن أرى خبزاً.

وماذا أحضرت بالكيس يا خان؟ قطعتين من جبنة كيري؟ لماذا؟!!
أيوه، هازا إنت في كلام زبدة، رد عليّ بحزم وثقة.

لم أعاتبه على شيء، ردَّ لي بقية نقودي ثم إنصرف بعدما أخذ قسمته من التوصيل.

نصيحة إن كنت ستتعامل مع بنغالي، لا تطلب إلا المألوف، أقصد هنا سندويتش بيض بالجبن بدلاً من بان كيك، ولا تبالغ في الفلسفة، أعني ما الحاجة في الزبدة؟ إطلب ملعقة بدلاً من شوكة، أو كُلها بكلتا يديك!
وإن كان أمرك ذا أهمية كإصلاح مكيف أو دهن غرفتك الشخصية، فأبتعد عنهم قدر ما تستطيع.